الخرطوم – بشير النور
أرجع خبراء ارتفاع حدة النزاع القبلي الذي شهدته ولايتا جنوب ووسط دارفور الفترة الماضية الذي أودى بحياة المئات ونزوح الآلاف من السكان، إلى الغياب الكامل لسلطة الدولة وانتشار خطاب الكراهية والتأثير المجتمعي.
وينقسم السودان إلى 18 ولاية، تنتشر فيها مئات القبائل والمجموعات العرقية التي تتحدث لغات عدة تتفرع منها مئات اللهجات المحلية، بينما تسيطر العربية بوصفها لغة أولى في البلاد.
والخميس شدد نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان (حميدتي) في تصريحات صحفية، عقب اجتماعه بلجنة أمن جنوب دارفور، على ضرورة تفعيل قوات الشرطة والأجهزة العدلية لتمكينهما من القيام بدورهما العدلي والشرطي.

غياب الدولة
وأكد المحلل الاستراتيجي بروفيسور علي عيسى لـ (سلا نيوز) أن الغياب الكامل لمؤسسات الدولة أسهم في جميع (البلاوي) التي يشهدها السودان، خاصة في ما يلي حماية المواطنين، مما أفرز حالة سيولة أمنية شكلت مظاهر التلفتات الأمنية بين القبائل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وهي نتاج طبيعي لغياب سلطة الدولة٠
وكشف عيسى عن تغذية النزاع القبلي بصورة واضحة من قبل المكونات المجتمعية المختلفة كإدارات أهلية أو مؤسسات سياسية أو حركات مسلحة. وتابع: “تضافر جموع هذه المكونات أفرز الواقع الأمني الذي تعيشه البلاد”.
مجهولة الهوية
وأشار عيسى إلى عدم وجود أي رؤية على المستوى البعيد للفترة الانتقالية وعدها مجهولة الهوية، قائلا “لا توجد رؤية استشرافية للمآلات السياسية”.
وأضاف أن المكونات بالمركز أيضاً لها دور في هذه الضبابية الأمنية من حيث النزاع في ما بينها والنزاع مع الجانب العسكري من أخرى. وتابع: “كلها أسهمت في ضبابية المشهد السياسي مما عزز التفلتات الأمنية بالسودان”.

بدوره، قال الصحفي المهتم بالشأن الدارفوري خالد جبريل لـ (سلا نيوز) إن غياب هيبة الدولة وانتشار خطاب الكراهية من بعض أبناء القبائل في (السوشيا ميديا)، وحث أهلهم على العنف في ظل وجود (غبن) قديم وعدم التزام الدولة تجاه المتضررين من الأحداث السابقة وتوفير الحماية اللازمة لهم ومحاكمة المعتدين وتعمير القرى المتأثرة بتوفير سبل العيش الكريم كلها أسهمت في ارتفاع النزاعات.
سلاح ثقيل
ومن العوامل التي شجعت على ارتفاع النزاع، أشار جبريل إلى انتشار السلاح الثقيل لدى السكان، وعجز الدولة عن حماية الفرد الذي اضطر للاصطفاف نحو القبيلة والاحتماء بها٠
ونبه جبريل إلى سلبية الإدارات الاهلية بدارفور. وقال إن معظمهم (مسيسون) حيث نالوا القيادة عبر الوراثة مما أدى إلى عدم الاعتراف بهم من قبل الشباب.

وعن أسباب النزاع قال جبريل إن بعض أصحاب المواشي يرعون (عنوة ) ودون وجه حق في مزارع آخرين، مشيرا إلى وجود سرقات، وهي حوادث فردية تتحول إلى انتقامات قبلية.
وحول مكافحة النزاعات القبلية، أكد جبريل ضرورة بسط هيبة الدولة وفك الارتباط بين المركز والولايات لقوات النظامية وتوفير الآليات للشرطة ودعمها لوجستيا مع محاكمة منسوبي القوات النظامية المشتركين في أي نزاع٠
وأشار جبريل إلى ضرورة قيام الدولة بتوفير خدمات الطرق والزراعة والكهرباء والمياه والسدود وتوظيف العطالة في تلك المناطق وعدها جبريل عوامل تقلل من ارتفاع النزاعات.

قبائل الجوار
ولم يستبعد المختص في الشأن الدارفوري نور الدين بريمة في تصريح لـ (سلا نيوز) التأثير الدولي والإقليمي للنزاع القبلي بدارفور من خلال دخول السلاح وبعض المجموعات التي لها علاقات بدول الجوار .
ورجح بريمة استدعاء بعض القبائل في ولايات دارفور والمتاخمة إلى دول الجوار لمنسوبيها في الدول المجاورة للمساعدة والدعم أثناء نزاعها مع القبائل الأخرى.
وقالت الأمم المتحدة في 8 أغسطس/ آب الماضي، إن الصراع القبلي في ولايات سودانية خلف 322 قتيلا و329 مصابا، إلى جانب نزوح أكثر من 163 ألفا بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2022.

وفي مايو/ أيار 2020، أعلنت السلطات تخصيص قوة مشتركة لجمع السلاح في جميع الولايات الـ18، مكوّنة من الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع والمخابرات.
ولا توجد تقديرات رسمية لحجم السلاح المنتشر بأيدي القبائل في دارفور وكردفان، فيما تذكر تقارير أن مئات الآلاف من القطع تملكها القبائل، منها أسلحة ثقيلة.
وفي مارس/آذار 2009، اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير بجريمة الإبادة، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يقال إنها ارتكبت في دارفور.