الخرطوم- سلا نيوز
عاشت عاصمة الضباب حدثا استثنائيا وصفه كثيرون بالحزين بتوقف إذاعة “بي بي سي” (BBC)، التي لها مع المستمع العربي حكايات وقصص، فقد شكلت جزءا من وعيهم عن منطقتهم، وبوابة تابعوا من خلال أصوات مذيعيها أحداثا جساما مرت بالمنطقة العربية.
وأعلنت شبكة “بي بي سي” البريطانية، الجمعة، انتهاء البث المباشر الرسمي لإذاعتها الناطقة باللغة العربية من لندن، وذلك بعد 85 عاما من البث المباشر المنطلق منذ العام 1938.
موجة حزن عميقة انتابت السودانيين، إثر توقف البث المباشر للإذاعة التي يسمعونها بشغف بالغ، باعتبار أن الإذاعة ساهمت بشكل مباشر في تثقيف وتنوير المجتمعات العربية والوحدة الإنسانية، فأصبح الجميع يعترف بها ويحترمها، إذ كانت تنقل مباشرة مع المستمعين أصحاب الوجع الحقيقي أثناء الحروب وخيام اللاجئين ومعسكرات النزوح حول العالم كانت متجاوزة لكل الإذاعات الرسمية ومنافحة للأنظمة الاستبدادية، وأعطت الفرصة للأصوات المعارضة للتعبير عنها وعن آلاف المقهورين والمظلومية.
ارتبط عدد كبير من الإذاعيين السودانيين بالإذاعة، إذ يقول المذيع موسى جويد، “كان قد حدثي ذات يوم بأن أحد السودانيين قدم نموذجا ثوريا حينما تقدم باستقالته من البي بي سي على الهواء مباشرة مُعلنا احتجاجه على العدوان الثلاثي على مصر.”
وتعليقا على الخطوة التي تحرم ملايين المستمعين العرب من خدمة ألفوها منذ صغرهم يقول مراسل “بي بي سي” بالسودان، محمد محمد عثمان، عبر فيديو مصور، حزين للغاية كغيري من السودانيين والمستمعين في العالم العربي بعد أن توقف بث إذاعة بي بي سي عبر الأثير بعد عقود من العطاء. ويكمن العزاء في أن البث سيتواصل عبر منصات بي بي سي الرقمية، بالتالي سيتمكن الجيل الجديد من متابعة برامج الإذاعة.”
وأضاف، “فخور للغالية لكوني وما زلت أعمل في الإذاعة وعملت بقدر المستطاع أن أنقل ما يحدث في السودان والمنطقة من أحداث سياسية واجتماعية ورياضية بكل تجرد ومهنية كما علمتنا مؤسسة بي بي سي.”
من جهته يقول الدبلوماسي السوداني، محمد علي فزاري، “دون شك بإغلاق راديو بي بي سي ظهر اليوم الجمعة لينهي 85 عاما من البث عبر الأثير والانتقال عبر الوسائط الرقمية في إذاعة ظلت الصوت الإعلامي الأشهر في العالم طيلة ثمانية عقود.”
وكتب فزاري عبر صفحته الرسمية على “فيس بوك”، “تابعت وسائل التواصل الاجتماعي بين حزين لوقف البث متحسرا على أيام مضت كانت معين الثقافة ومصدر الخبر والترفيه لمعظم سكان العالم العربي من المحيط إلى الخليج وهي مشاعر طبيعية مثل شخص مدمن القهوة والشاي.”
أما الإذاعية ختام عامر العاملة في “بي بي سي” فقد نشرت على صفحتها على تويتر مقطعا مصورا لآخر نشرة تقدمها في الإذاعة قبل إغلاقها، وعلقت على المقطع “هكذا ينتهي مشوارنا الإذاعي عبر إذاعة الأجيال #bbc.. فلكل شيء نهاية.. هكذا هي الحياة دمتم بخير لحين أن ألقاكم عبر منصات بي_بي_سي الإلكترونية قريبا”.
الإعلامي ومقدم الأخبار في شبكة الجزيرة عثمان آي فرح، الذي سبق أن اشتغل صحفيا في “بي بي سي”، وصف قرار الإغلاق بالصادم والمحزن له وللملايين عبر العالم، وكتب على صفحته على فيسبوك أن “من اتخذ القرار ربما لا يدرك فداحة ما فعل”.
وقبل حوالي 4 أشهر، أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” استغناءها عن 382 خدمة من خدماتها الدولية، لتوفير نحو 31 مليون دولار من المدخرات السنوية.
وأبرزت “بي بي سي” أن الإجراء سيسمح لها بتحقيق مدخرات سنوية تقدر بـ500 مليون جنيه إسترليني أي ما يعادل (555 مليون دولار).
ومنذ انطلاقها منذ 85 عاما، ظل شعارها الشهير “هنا لندن” مرفوقا بدقات ساعة لندن- أثيرا ومألوفا لدى المستمع العربي، وقد يختلف الارتباط بهذه الإذاعة حسب الأجيال، إلا أن الجيل الذي عاش مرحلة الراديو ثم ظهور التلفاز قطعا ستبقى ذاكرته محتفظة بالكثير من الأصوات الرخيمة التي كانت تتميز بها إذاعة بي بي سي، وبسلامة وأناقة عربية المذيعين عندما لم يكن لدى المواطن العربي من بديل عن الإذاعة، وعندما كانت هذه الإذاعة هي بديله عن الدعاية الحكومية لمعرفة الأخبار.